ابن الجوزي

41

زاد المسير في علم التفسير

من فرعون مائة سنة . قوله تعالى : ( أتقتلون رجلا أن يقول ) أي : لأن يقول ( ربي الله ) وهذا استفهام إنكار ( وقد جاءكم بالبينات ) أي : بما يدل على صدقه ، ( وإن يك كاذبا فعليه كذبه ) أي : لا يضركم ذلك ( وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم ) من العذاب . وفي " بعض " ثلاثة أقوال : أحدها : أنها بمعنى " كل " ، قاله أبو عبيدة ، وأنشد للبيد : تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يعتلق بعض النفوس حمامها أراد : كل النفوس . والثاني : أنها صلة ، والمعنى : يصبكم الذي يعدكم ، حكي عن الليث . والثالث : أنها على أصلها ، ثم في ذلك قولان : أحدهما : أنه وعدهم النجاة إن آمنوا ، والهلاك إن كفروا ، فدخل ذكر البعض لأنهم على أحد الحالين . والثاني : أنه وعدهم على كفرهم الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة ، فصار هلاكهم في الدنيا بعض الوعد ، ذكرهما الماوردي . قال الزجاج : هذا باب من النظر يذهب فيه المناظر إلى إلزام الحجة بأيسر ما في الأمر ، وليس في هذا نفي إصابة الكل ، ومثله قول الشاعر : قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون من المستعجل الزلل وإنما ذكر البعض ليوجب الكل ، لأن البعض من الكل ، ولكن القائل إذا قال : أقل ما يكون للمتأني إدراك بعض الحاجة ، وأقل ما يكون للمستعجل الزلل ، فقد أبان فضل المتأني على المستعجل ، بما لا يقدر الخصم أن يدفعه ، فكأن المؤمن قال لهم : أقل ما يكون في صدقة أن يصيبكم بعض الذي يعدكم وفي بعض ذلك هلاككم ، قال : وأما بيت لبيد : فإنه أراد ببعض النفوس : نفسه وحدها . قوله تعالى : ( إن الله لا يهدي ) أي : لا يوفق للصواب ( من هو مسرف ) عمرو وفيه قولان : أحدهما : أنه المشرك ، قاله قتادة . والثاني : أنه السفاك الدم ، قاله مجاهد . قوله تعالى : ( ظاهرين في الأرض ) أي : عالين في أرض مصر ( فمن ينصرنا ) أي : من يمنعنا ( من بأس الله ) أي : من عذابه ، والمعنى : لا تتعرضوا للعذاب بالتكذيب وقتل النبي ، فقال فرعون عند ذلك : ( ما أريكم ) من الرأي والنصيحة ( إلا ما أرى ) لنفسي ( وما أهديكم ) أي :